( الغلابة )..
وحكاية البحث عن الرزق في مسالك الهلاك!!
عبدالله السالمي
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}(الذاريات58) فلا أحد يشك في ذلك..
{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }(هود6)
وهذا ما لا يمكن للمؤمن إلا أن يسلم به.. ولكن..
أليس للناس طرائقهم المختلفة في البحث عن الرزق؟
وأليس من بين تلك الطرائق ما هو غير شرعي وقانوني وإنساني؟
ثم ماذا عن الناس أنفسهم.. أليس فيهم العادل والظالم، والقنوع والطامع، والورع والجشع، والشاطر والكسول، والمعتمد على ذاته والمتواكل؟..
فهل من الصحيح أن أياً منهم لن يعدم نصيبه، ولن ينقص منه شيء حتى لو قعد عن طلبه؟!
ثم ماذا لو حال الظلم والطمع والجشع لدى بعض بني البشر بين البعض الآخر وبين نيل ما كتب الله لهم من رزق؟!
أليس هذا هو السؤاااال؟!
حكم القوي
لنر حال الملايين من الناس في عرض هذه البلاد وطولها..
صحيح أن التباين الطبقي قد بلغ مداه، إذ لم تعد توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار!! « والحق محفوظ لنزار قباني.. مع شيء من التحوير» غير أن المطب الملح الآن لدى القابعين في القاع هو البحث عن ما يسد الرمق، ويروي الظمأ، ويستر العري، ويأوي الجسد.. ولا شيء غير ذلك، ليس تماشياً مع الحكمة التي تحث من هم في الأسفل على عدم النظر إلى الــــ « هاي هاي » حتى لا يأخذهم الغبن واليأس والقنوط.. وإنما لأن الذين يعتلون القمم صاروا أكثر وحشية من ذي قبل، حتى بلغ بهم الجشع حد محاربة الفقراء والمساكين ومحدودي الدخل في لقمة العيش، كما لو كانوا قد ضاقوا بهم ذرعاً، ولم يعودوا يطيقون السكوت عن الهامش الحياتي الضيقّ الذين يعيشون فيه، مصممين على جعله أكثر ضيقا بسلبهم فتات ما يأكلون ويشربون ويلبسون ويسكنون.. في خطوة وحشية ظالمة تتعمد رميهم في العراء، نهباً لمخالب الجوع والعطش والعري والمرض..
أقدار!!
أي قدر يساق إليه الملايين من الناس في هذه البلاد؟!
إن الحال أشبه بالصراع الدامي من أجل الحصول ولو على أقل القليل من مقومات البقاء..
أسر لا حصر لها يحاصرها الفقر من كل جانب..
وأيد عاملة بلا عمل، ومؤشرات البطالة في ارتفاع..
وموجة الغلاء تزداد تفاقماً واضطراماً..
والجوع قاب قوسين أو أدنى..
وبصحبة كل ذلك آفات وآفات ليس أقلها أمراض تفتك بالأجسام؛ وإنما أخرى أشد تهدم العقول، وتفسد الضمائر..
فكيف سيستبين الواحد منا طريق الخلاص في رحلة البحث عن ما كتب الله له من رزق في ظل هذه اللجة الحالكة؟
وهل أبقى المتقدم للمتأخر شيئاً؟! ثم إلى متى سنظل نسيء تفسير قول أحدهم بالعاميّة: « يا اللي فوق حنوا على اللي تحت» ولا نورده إلا لشيء في نفس يعقوب؟!
2÷ 1 = 0
والآن.. فهل يمكن للواحد منا أن يقف قليلاً للتفكير - مجرد التفكير - في طرائق الناس هنا للبحث عن أرزاقهم؟!
إني لأرجو أن نفكر فيها، بل ونحاول تعدادها ما استطعنا..
وعني أنا.. وكما لو كنت المعني بذلك أولاً.. فإن حصر طرق ووسائل وأساليب الناس في البحث عن أرزاقهم ممالا يمكن لي فعله وإنجازه، وقد لا أذكر منها إلا الشيء اليسير، على أمل الاستعانة بكم في تعداد ما تبقى مما هو معروف وفاتني المجيء به..
ومهما يكن، وبعيداً عن المترفين، فإن ما دونهم من عامة الناس ينقسمون إلى فريقين..
الأقلّ.. موظفون لدى الحكومة في القطاع العام، أو لدى مسئوليها الأغنياء في القطاع الخاص، أو لدى سواهم من الأثرياء..
والأكثر.. يتوزعون بين من يعملون لحسابهم على مختلف الاشتغالات، وبين من يعملون بالأجر اليومي، يجدونه يوماً ويعدمون منه آخر.. وبين من حالت قسوة الواقع وعشوائيته بينهم وبين ما هُيئوا له من أعمال، فلم يمارسوا العمل فيها أو في غيرها بالمطلق..
وفي تفاصيل كل ذلك العجب العجاب، ومن دونها الكثير والكثير..
خارج المعادلة
ولأن نظام البحث عن الرزق قد طاله الاختلال، وحلّت الفوضى بدلاً عن قوانينه الدقيقة، وشريعة الغاب عوضاً عن مبادئه المستقيمة وأحكامه العادلة.. فقد كان من الطبيعي أن يلجأ الكثيرون إلى ابتكار وسائل جديدة لطلب الرزق، إمعانا في مجاراة موجة الكسب بطرق ملتوية، من دونما كثير سعي وجد وعمل واجتهاد..
فإذا كان الاحتكار ورفع الأسعار وسلب المواد قيمتها الغذائية والصحية، بل ومقوماتها الطبيعية وحجمها الحقيقي، من أساليب التجار لإرضاء ولعهم بالمال وشغفهم بجمعه وتكديسه والإثراء منه.. فإنه من غير المستغرب أن يظهر على الطرف الآخر بين الكادحين ومحدودي الدخل من يتخذ- في رحلة البحث عن انتزاع لقمة عيشه- وسائل وأساليب لا تقتصر على التسول والشحاتة والاستجداء بمد اليد مصحوبة بمقولة: « لله يا محسنين».. وإنما تتعداها إلى عمليات نصب وسرقات منظمة، وبخطط غاية في الإتقان والتنظيم!!
وشيء آخر.. فإذا كان الكثيرون ممن هم « في الأعلى» لا يتورعون عن الإثراء غير المشروع بنهب المال العام، والتطاول على حقوق الضعفاء، والخوض في الفساد المالي والإداري، فإنهم بسلوكهم هذا يعطون مسوغاً لمن هم دونهم للاقتداء بهم في النهب والسرقة والتطاول..
وهؤلاء بدورهم يجد فيهم من هو دونهم مبرراًُ كذلك..
وهكذا حتى تكتمل السلسلة بالمواطن العادي والكادح الفقير، حتى تصبح قيم النهب والنصب والسرقة شعار الجميع..
فمن أحق بأن يؤخذ على يده هنا أولاً، وعلى من يقع اللوم ابتداءً؟!
بعد « القبيح » بعده!!
من منّا لم يسمع من الشعر البيت الذي يقول :
إذا كان ربّ البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ثم أليس في شيء من دلالته ما يشبه إلى حد كبير واقع الحال الذي يجري هنا؟!
وطالما كان من الواضح أن البعض من الناس قد أصبحوا أثرياء بين عشية وضحاها بمجرد اعتلائهم لمناصب مرموقة.. فإن تسابق أقرانهم للحاق بهم، واتخاذ طريقهم ليس من الصعوبة بمكان، ووحدها مفردات من قبيل النهب، والسرقة، والنصب، والاحتيال، وطلب الرشوة، والسطو، والابتزاز.. هي الأكثر تداولاً في أيما دائرة هنا يجد الإنسان نفسه ملجأ للمعاملة فيها، والتعامل مع موظفيها، فلسان الحال هو الكسب من حلّة ومن غير حلّة، بحثاً عن الثراء والترف والوجاهة والبهرجة!!
أما البحث عن الغنى بالاتجار في الممنوع ( !!!!!! ) فإنه حديث ذو شؤون وشجون، ووحده القرآن الكريم أصدق حكماً وبياناً وتبياناً.. « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم» (المائدة33).
سلالم للأعلى.. للأسفل!!
هذه إشارات عامة لبعض من وسائل الناس في البحث عن الرزق، وفي الحكم عليها يصح التساؤل عن أي منهج هذا الذي يحتكم إليه الخلق في هذا الجزء من الأرض؟!
فبينما يكد ويكدح المستضعفون طويلاً طلباً لحلال قليل يبقيهم ومن يعولون على ظاهرية الحياة، نجد غيرهم من المتنفذين يسلكون أسرع الطرق إلى تكوين الثروة وأقصرها إلى الكسب الحرام، وما بينهما قوم - قد يصغرون أو يكبرون - خلطوا عملاً سيئاً وآخر صالحاً.. وشوكة الميزان هي الفيصل!!
أما المستضعفون فأنى لهم الصبر على الرزق الحلال والكسب من عرق الجبين، وقد أصبح ما يحصلون عليه من أجر لأعمالهم لا يكاد يفي بمتطلبات البقاء، وحاجيات الغذاء والدواء والملبس والسكن؛ في ظل تزايد ارتفاع أسعار




























